محمد أبو زهرة
3905
زهرة التفاسير
بيّن سبحانه قدرة اللّه تعالى في خلق السماوات بغير عمد ترونها ، وسخر الشمس والقمر وغير ذلك من الكائنات التي هي سمات هذا الوجود ، والآن يبين خلق الإنسان ، وكيف كان في علمه الذي لا يعلم به أحد غيره سبحانه . فقال تعالى : اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ( 8 ) . اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى ( ما ) هنا قد تكون موصولة بمعنى الذي ، ويكون السياق : اللّه جل جلاله يعلم الذي تحمله كل أنثى ، والذي تغيض به الأرحام والذي تزداد ، وكل شئ عنده بمقدار قدّره ، وحدّه وعيّنه . يعلم ما تحمل كل أنثى من ذكورة وأنوثة ، ومن حجمه ، وشكله ، وامتداده ، وعمره ، وما قدر له من حياة سعيدة أم شقية ، وإيمان ، وصباحة ودمامة ، واستقامة وفجور ، وما يكون في قابله هاديا مهديا ، أو مقيتا شقيا ، وغير ذلك مما يكون في حياته البدنية والنفسية ، وكل ما يتعلق به . يعلم أدوار الحمل من مضغة مخلقة وغير مخلقة ، ومن وقت وضعه نطفة في قرار مكين ، كما قال تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ( 12 ) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 13 ) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ( 14 ) [ المؤمنون ] ، وبقوله سبحانه : . . . هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ . . . ( 32 ) [ النجم ] ، ويقول تعالى : . . . يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ . . . ( 6 ) [ الزمر ] . يعلم اللّه تعالى ما تحمل كل أنثى من هذه الأطوار كلها طورا بعد طور ، وما يعلمه اللّه هو علم الخالق لما خلق ، ومهما يكن متعلقا ب ( ما ) في الأرحام فالعلم عند اللّه علام الغيوب ، وقد روى في الصحيحين عن عبد اللّه بن مسعود قال : قال